الشيخ سليمان ظاهر
374
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني
8 - الشاه عباس الثاني : وهو في العاشرة من عمره . وتولى الأمر في مدة صغره الوزراء وكانوا من أصحاب العقل والذمة واشتهروا بالفضائل والتقوى ، فأمروا بإبطال شرب الخمر من القصر ، وشددوا في عقاب الذين كانوا يسكرون ، وكان السكر رذيلة عمت في أيام عباس شاه وحفيده . وأعطي الناس حرية الأديان إلى درجة لم يسبق لها نظير فيما مر ، وتمتع الأوروبيون بنعمة السلطان فكان تجارهم يحضرون مجلسه ويروون الأمور عنه ومعظم ما قيل في تاريخ إيران من بعد أيام عباس شاه منقول من كتب الإفرنج . ولما بلغ عباس الثاني أشده تولى الأمر بيده فأفرط في التمتع باللذات وعاد إلى المسكر ، فارتكب الهفوات الكثيرة واسقط مقام الملك ، ولكنه لم يصل إلى درجة أبيه في ذلك . وكان وديعا طيب القلب لم يأت أمرا نكرا إلا في مدة استيلاء الخمرة على عقله . واسترجع الإيرانيون في أيام هذا الملك مدينة قندهار . وكان صفي شاه قد أضاعها في أيامه المعيبة . وأظهر عباس الثاني سياسة واقتدارا في معاملة قبائل التتر التي كانت تغزو خراسان عاما بعد عام . ذلك أن أحد الأمراء من القوم التجأ إليه فأكرمه عباس وأنعم عليه بالمال الكثير ونصره على خصمه ، فجعله وأهل بيته عبيدا للدولة الصفوية ، وأراح البلاد من غزواتهم مدة طويلة . وعقد عباس الصلح مع الأتراك من أول حكمه ، فلم تحدث الحرب بين البلدين كل مدة ملكه السعيد . ونمت المتاجر ، وتقدمت العلوم والصنائع ، ورتعت البلاد في بحبوحة الأمن والراحة كل أيام هذا الملك . وتقاطر الإفرنج على البلاد ، وجاءها سفراء الهند والدول الأوروبية من كل صوب بنفيس الهدايا . وكانت علاقة الدولة الإيرانية حسنة مع كل هذه الدول وأعمالها في رواج ونجاح . ومات عباس الثاني في الرابعة والثلاثين من عمره بعد أن حكم إيران نحو 25 سنة كانت كلها أعوام صفاء ورخاء لم تر البلاد أفضل منها ، ولم يكن لعباس عيب غير الإفراط في شرب الخمر بعض الأحيان ، إلا أن ذلك لم يؤثر في بلاده ولم يتعب منه غير بعض الأخصاء . واشتهر بشيء من القسوة في معاملة الوزراء والقواد ، وبالشفقة والحنو الكثيرين في معاملة الفقراء والبسطاء من الأهالي ، وفي احترام الأجانب واعتبار حرية الأديان إلى درجة لم تر عند غيره من ملوك هذه الدولة العظيمة .